عبد الله المرجاني
530
بهجة النفوس والأسرار في تاريخ دار هجرة النبي المختار
المدينة ، من قريش ، والأنصار ، والعرب ، والموالي ، فقال لهم : احضروا بنيان قبلتكم لا تقولوا غيّر عمر قبلتنا ، فجعل لا ينزع حجرا إلا وضع حجرا ، وهو أول من أحدث الشرفات والمحراب » . يروى عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال : تبنى المدائن والمساجد جما ، ومسجد المدينة ليس له شرفات . وعمل الميازيب من رصاص ، ولم يبق منها إلا ميزابان ، أحدهما : في موضع الجنائز ، والآخر : على الباب الذي يدخل منه أهل السوق - يعني باب عاتكة - وعمل المقصورة من ساج ، وجعل للمسجد عشرين بابا ، وكان هدمه للمسجد في سنة إحدى وتسعين « 1 » ، ومكث في بنائه ثلاث سنين ، فلما قدم الوليد بن عبد الملك حاجا « 2 » جعل ينظر إلى البنيان ، فقال حين رأى سقف المقصورة : ألا عملت السقف مثل هذا ؟ فقال : يا أمير المؤمنين ، إذا تعظم النفقة جدا ، فقال : وإن كان ، وكانت النفقة في ذلك أربعين ألف مثقال ، ولما استنفذ الوليد النظر إلى المسجد التفت إلى أبان « 3 » بن عثمان بن عفان رضي اللّه عنه فقال : أين بنياننا من بنيانكم ؟ فقال أبان : إنا بنيناه بناء المساجد وبنيتموه بناء الكنائس « 4 » .
--> ( 1 ) يذكر الطبري وابن الجوزي في حوادث سنة 88 ه : « وفيها أمر الوليد بن عبد الملك بهدم مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وهدم بيوت أزواج رسول اللّه وإدخالها في المسجد » . انظر : تاريخ الطبري 6 / 436 ، المنتظم 6 / 283 . ( 2 ) يذكر ابن الجوزي في المنتظم 6 / 300 : « بأن الوليد حج في سنة 91 ه ، وتفقد عمارة المسجد النبوي » . وهذا يرجح أن عمر بن عبد العزيز بدأ في عمارة المسجد في سنة 88 ه ، ومكث في بنائه ثلاث سنين إلى أن قدم الوليد حاجا في سنة 91 ه . ( 3 ) أبان بن عثمان بن عفان الأموي ، روى عن أبيه ، وكان ثقة ، مات بالمدينة في خلافة يزيد بن عبد الملك . انظر : ابن سعد : الطبقات 5 / 151 - 153 . ( 4 ) كذا ورد عند ابن النجار في الدرة 2 / 373 ، والنهرواني في تاريخ المدينة ( ق 118 - 119 ) .